العريضي: السويداء لم تعد تفكّر سياسياً… بل وجودياً في معركة البقاء

حين يكون الفُراق ملاذاً أخيراً من الفناء؛ وليس طموحًا سياسيًا…

لم يفكّر الجبل يوماً بأنه يملك مقومات دولة مستقلة؛ ولم يُصغِ لصوت الأوهام؛ ولم ينزلق لمشاريع طائفية أو كياناتٍ مصطنعة.

كان وعلى الرغم من فقر الحال، وتهميشه الاقتصادي المزمن جزءاً عضوياً من الجغرافيا السورية، ومن نسيجها الوطني.

لم تكن له مصانع، ولا بُنى تحتية تنافس المدن الكبرى؛ لكنه كان غنياً بما هو أعمق: بالكرامة، وبالإيمان بالوطن الواحد المشترك.

ولأن الجبل كذلك، لم يطالب يوماً بالانفصال؛ بل شارك السوريين ثورتهم، ودفع من دم أبنائه ثمناً لمواقفه، وصبر على الفقر والتهميش في زمن الطاغية الأسد، وواجه المكائد والخذلان حين أُعيد تدوير الطغاة؛ وحين تحولت الدولة المنشودة إلى سلطة نابذة، إقصائية، تحريضية، خبيثة، كارهة.

أما اليوم، وبعد الهجمة البربرية الوحشية، والخذلان، والصمت، والمكابرة على الظلم، لم تعد السويداء تفكّر سياسياً، بل باتت تفكر وجودياً؛ بات ذلك بالنسبة لها قراراً اضطرارياً، ولم يعد خياراً نخبوياً أو مناورة تفاوضية. بات قرارها وخيارها الوحيد؛ لأن أية خيارات أخرى ستفضي إلى ذات المصير: … الإبادة … :

لقد تشكل وعي جماعي لدى أبناء السويداء بأن الطرق المفتوحة مع الجغرافيا السورية لم تعد مسارات تواصل، بل أنفاق موت؛ ستُستَخدَم عند الحاجة لتصفية وجودهم أو ابتزازهم.

لقد أصبح وعي أبناء السويداء مركّزاً على أن البقاء مع الجغرافيا السورية، سيبقيها رهينة في يد من لم يرَ فيها يوماً سوى “تمرّداً يجب إخضاعه” أو “كفاراً يجب قتلهم وإبادتهم كواجب ديني مقدس”.

اليوم، تدرك السويداء، وبكل واقعية، بأنها لا تملك دولة بديلة، ولا اقتصاداً مستقلاً، ولا موارد، ولا دعماً إقليمياً كاملاً يُبنى عليه؛ لكنها بالمقابل، لا تملك ترف البقاء في حضن القاتل، وفي حضن مؤيديه من أبناء الانتماء. لن يكون لديها القدرة على العيش ضمن وطن لا يعترف بوجودها، إلا حين يريد معاقبتها، أو تكفير أهلها، أو قتلهم وإحراق جثثهم والتحريض عليهم.

إن خيار السويداء اليوم بالانفصال لم يعد متصلاً برغبة سياسة طوباوية، بل نتاج موقف مخزٍ من نسبة واسعة من أبناء الوطن، الذين صمتوا عن الجرائم المرتكبة بحقها أو برّروها، أو بركوا على جراحها بالتأويل وتبرئة القاتل. السويداء اليوم تريد قطع الأوصال ليس لأنها تنكر الجوار، فهي أحسن وأنبل من حافظ على جيرانها، لكنهم غدروا بها، ونكروا خبزها وملحها، وعادوا إليها قَتَلَة سفاكي دماء، بعد أن خرجوا منها ضيوفاً مكرمين.

الفراق اليوم كخيار وحيد للسويداء ليس رغبة بالعزلة، بل صرخة للنجاة، وقطع كل طريق على محاولة جديدة للإفناء الممنهج. إنه رغبة بعدم تكرار التاريخ الذي أوغل فيه إرهابيو السلطة الحالية على الدروز في مكان آخر، بهدم دور العبادة، ونسف الخصوصية، واحتلال البيوت وإزهاق الأرواح.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعود إلى كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقف منصة رادار سوريا أو توجهاتها التحريرية.

author avatar
الدكتور يحيى العريضي - سياسي وأكاديمي سوري
يحيى العريضي، سياسي وأكاديمي سوري من مواليد عام 1954، يعد من أبرز الشخصيات السورية التي جمعت بين العمل الإعلامي والنشاط السياسي المعارض، متكئًا على خلفية أكاديمية رصينة وتجربة مؤسساتية طويلة داخل سوريا وخارجها. برز العريضي كصوت مستقل داخل هيئة التفاوض السورية التي أعيد تشكيلها في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، حيث تولى مهمة المتحدث الرسمي باسم الهيئة، كما شارك لاحقًا كعضو في اللجنة الدستورية الموسعة المنبثقة عن الأمم المتحدة بتاريخ 23 أيلول/سبتمبر 2019. عرف بمواقفه الحاسمة في مقاربة مستقبل سوريا السياسي، حيث أعلن صراحة معارضته لنظام بشار الأسد في مقابلة مع قناة العربية عقب مغادرته سوريا في أيار/مايو 2013، بعد أن اختبر عن قرب حدود وهم الإصلاح ضمن مؤسسات النظام. في لحظة حرجة من تاريخ سوريا، شارك العريضي في حزيران/يونيو 2011 ضمن لجنة رسمية لصياغة قانون الإعلام، كان النظام قد شكلها في محاولة لامتصاص ضغط الشارع. إلا أن مشاركته لم تطل، وسرعان ما تحوّل إلى أحد أبرز الأصوات النقدية لهذه البنية القمعية من خارج البلاد. يشغل العريضي سجلًا حافلًا في التعليم والعمل الإعلامي، فقد تولّى عمادة كلية الإعلام في جامعة دمشق بين عامي 2010 و2013، ودرّس في كل من كلية الإعلام وكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة ذاتها. كما أعدّ وقدم برامج عدة على شاشة التلفزيون السوري، وأدار لاحقًا المركز الإعلامي السوري في لندن. يحمل الدكتور العريضي درجة الدكتوراه في الإعلام من جامعة جورج تاون في واشنطن، وقد تخرج أيضًا من جامعة هارفارد، ما يعكس عمق تكوينه الأكاديمي الذي ساعده في صقل خطابه السياسي والإعلامي لاحقًا. يقيم العريضي حاليًا بين فرنسا وسوريا، ويواصل نشاطه السياسي والفكري في إطار دعم التحول الديمقراطي في سوريا، مع الحفاظ على استقلاليته عن الأجسام السياسية التقليدية.
Exit mobile version